علي بن أحمد المهائمي
295
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
لهم عن الحقائق على ما هي عليه ، ( وما عدا هذين الصنفين ) من المتكلمين والفلاسفة ، ( فالحق عندهم معقول ) لا يعرف إلّا بالعقل ، ولا ظهور له في شيء ، وهم وإن كانوا مظاهر الحق إلّا أنّ الظاهر منه فيهم قد يغير عما هو عليه في نفسه . ( فهم بمنزلة الماء الملح الأجاج ) « 1 » لا يشفي كلامهم غليل عطش طلاب الحق ؛ لأن أنظارهم مشوبة بالأوهام المالحة ، ( والطائفة الأولى ) لبقائهم على أصل الفطرة ( بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ شرابه ) في شربه شفاء ، ولا يفتقر إلى تطويل مقدمات وهذا الاختلاف كما أنه في الماء باختلاف البقاع ، وهاهنا باختلاف الطرق الموصلة لهم إلى المعارف . ( فالناس ) وإن كانوا جميعا مظاهر الحق ( على قسمين من الناس ) أظهر للإشعار بأنهم الذين يستحقون أن يسموا بهذا الاسم ( من يمشي على طريق يعرفها ) لكونه مكاشفا ذا بصيرة ، هي أتم المشاعر وأوضحها ، ( ويعرف غايتها ) وهي الأحدية المستصحبة ؛ ( فهي في حقه طريق مستقيم ) لقرب مطلوبها باستصحابه فأوجبت العذوبة . ( ومن الناس ) أظهر إشعار بأنهم مغايرون للأولين من كل وجه ، وإن اشتركوا في اسم الإنسانية ( من يمشي على طريق يجهلها ) لكونه من أرباب النظر المشوب بالأوهام ، ( ولا يعرف غايتها ) فيزعم أنه قد قطعها ، وهي مستصحبة معه ، ( وهي عين الطريق التي عرفها الصنف الآخر ) لكنها بعدت عليهم لجهلهم ، وهو الموجب للملوحة . ( فالعارف ) إنّما كان بمنزلة العذب الفرات ؛ لأنه ( يدعو إلى اللّه على بصيرة ) فيبصر المدعو أنه ، وإن كان في الطريق قلة تجليات لا إلى نهاية ( وغير العارف ) إنّما كان بمنزلة الملح الأجاج ؛ لأنه ( يدعوا إلى اللّه على التقليد والجهالة ) فيزعم أنه مقصود في الطريق فيحصل منه له ، وللمدعو ظلمة في الطريق فينقطع في الطريق ، لولا أنه مأخوذ بنواصيه على صراط الرب المستقيم ، وإذا كانت مسلوحة إحدى الطريقين ، وعذوبة الأخرى مع اتحادهما في الإيصال إلى الغاية ، إنّما علمت من المثنى في طريق التزكية والتصفية ؛ ( فهذا علم خاص يأتي من أسفل السافلين ) أي : من الطريقة التي هي أسفل مراتب ظهور الحق ، وإن كانت أعلى الطرق وأجلاها وأقومها ؛ ( لأن الأرجل ) التي بها المثنى في الطريق ( هي السفل من الشخص وأسفل منها ما تحتها وليس إلّا الطريق ) ، وقد شبه بهما أرجل الكسب وطريق التزكية والتصفية ، فهما مثلهما وهما مع ذلك من صور الحق باعتبار ظهوره في مراتبه العذبة منوطة بهذه المعرفة . ( فمن عرف الحق عين الطريق ) مثل عينية ما يقع على الأرض من نور الشمس لها ،
--> ( 1 ) الذي لا يروي شاربه .